الحلبي
34
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
لرأسه خراش بن أمية الخزاعي الذي بعثه إلى قريش فعقروا جمله وأرادوا قتله كما تقدم . فلما رأى الناس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون ، وقصر بعضهم كعثمان وأبي قتادة . وفي كلام بعضهم أي وهو السهيلي أنه لم يقصر غيرهما ، ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة فقال « اللهم ارحم المحلقين » وفي لفظ « يرحم اللّه المحلقين » وفي لفظ « اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : والمقصرين ؟ فقال : يرحم اللّه المحلقين أو قال : اللهم ارحم المحلقين أو اللهم اغفر للمحلقين قالوا : والمقصرين فقال : يرحم اللّه المحلقين والمقصرين » وفي رواية قال « والمقصرين في الرابعة ، وقد قالوا له يا رسول اللّه لم ظاهرت ؟ أي أظهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين ؟ قال لأنهم لم يشكوا : أي لم يرجوا أن يطوفوا بالبيت ، بخلاف المقصرين » أي لأن الظاهر من حالهم أنهم أخروا بقية شعورهم رجاء أن يحلقوها بعد طوافهم بالبيت . وأرسل اللّه سبحانه وتعالى ريحا عاصفة احتملت شعورهم فألقتها في الحرم ، وفيه أنه تقدم أن الحديبية أكثرها في الحرم ، فاستبشروا بقبول عمرتهم . وفي رواية « أنه صلى اللّه عليه وسلم بعد فراغه من الكتاب أمرهم بالنحر والحلق قال ذلك ثلاث مرات ، فلم يقم منهم أحد ، فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أم سلمة رضي اللّه عنها ، أي وهو شديد الغضب فاضطجع . فقالت ما لك يا رسول اللّه مرارا وهو لا يجيبها ، ثم ذكر لها ما لقي من الناس وقال لها : هلك المسلمون ؛ أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا ، وفي لفظ قال : عجبا يا أم سلمة ، ألا ترين إلى الناس ؟ آمرهم بالأمر فلا يفعلونه ، قلت لهم : انحروا واحلقوا وحلوا مرارا فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي ، فقالت : يا رسول اللّه لا تلمهم ، فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح ، ثم أشارت عليه صلى اللّه عليه وسلم أن يخرج ولا يكلم أحدا منهم وينحر بدنه ويحلق رأسه ، ففعل كذلك : أي أخذ الحربة وقصد هديه وأهوى بالحربة إلى البدن رافعا صوته : بسم اللّه واللّه أكبر ، ثم دخل صلى اللّه عليه وسلم قبة له من أدم أحمر ودعا بخراش فحلق رأسه ورمى شعره على شجرة فأخذه الناس وتحاصوه ، وأخذت أم عمارة رضي اللّه عنها طاقات منه ، فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ . فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وحلقوا ثم انصرف صلى اللّه عليه وسلم قافلا إلى المدينة أي بعد أن أقام بالحديبية تسعة عشر يوما ؛ وقيل عشرين يوما . فلما كان صلى اللّه عليه وسلم بين مكة والمدينة أي بكراع الغميم أنزلت عليه سورة الفتح أي وقال لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت